مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
223
تفسير مقتنيات الدرر
حينئذ للتعجّب من نبوّته موقع ، ثمّ إنّ بعض القوم من شدّة كفرهم وحسدهم على النبيّ كانوا يقولون : اللَّهمّ إن كان ما يقول محمّد صلى اللَّه عليه وآله حقا في ادّعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فأجاب اللَّه عن أحوالهم بما ذكر في هذه الآية قيل : هذا هو الكلام في كيفيّة النظم . قوله : * ( [ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّه ُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ ] ) * أي إجابة دعوتهم في الشرّ إذا دعوا بالشرّ على أنفسهم وأهاليهم عند الغيظ والغضب كقوله : أماتني اللَّه أو لعنة اللَّه عليّ مثلا أولا أبقاني اللَّه ساعة كاستعجالهم بالخير ، أي كما يعجّل لهم إجابة الدعوة بالخير * ( [ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ ] ) * . أجلهم وهلكوا ولكنّ اللَّه لا يعجّل لهم الهلاك ، بل يمهلهم حتّى يتوبوا ويرجعوا . وقيل : معنى الآية ولو يعجّل اللَّه للناس العقاب الَّذي استحقّوه بالمعاصي والكفر كما يستعجل لهم خير الدنيا لفنوا لأنّه لو تعجّلت العقاب لزال التكليف بالموت وإذا عوجلوا بالموت لم يبق أحد * ( [ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ ] ) * ولا يخافون البعث والحساب يتحيّرون في كفرهم وعدولهم عن الحقّ إلى الباطل لسوء اختيارهم لأنّ تركهم في الدنيا لا يوجب ذلك ولا صلاح في إماتتهم فربّما آمنوا بعد ذلك وربّما خرج من صلبهم من كان مؤمنا وذلك يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال الشرّ والعقاب إليهم كما استعجلوا لقوله تعالى : « وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » « 1 » . ثمّ إنّهم لمّا توعّدوا في الآية السابقة وهو قوله : « أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » استعجلوا ذلك العذاب وقالوا : متى يحصل ذلك ؟ كما قال تعالى : « يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ » . « 2 » فلو قيل : كيف قابل التعجيل بالاستعجال ؟ الجواب أنّ في التعجيل معنى الطلب فقولك : عجلت فلانا طلبت عجلته ، وكذلك عجّلت الأمر إذا أتيته عاجلا فطلبت فيه العجلة فصحّ مقابلة الاستعجال بالعجل لأنّ في كليهما معنى الطلب فحينئذ يصير معنى الآية : لو أراد اللَّه عجلة الشرّ للناس كما أرادوا
--> ( 1 ) يس : 48 . ( 2 ) الشورى : 17 .